القاضي عبد الجبار الهمذاني
354
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن ذلك يوجب كونه عبثا ؛ وكذلك فلو أراد به ما لم يدل عليه ، ولم يضم إليه قرينة ، لأوجب كونه عبثا ؛ وإذا أراد ما وضع له ، فلو لم نقل بأنه صدق لأدّى إلى تسرب القبائح له ؛ وهذه الجملة نشرحها من بعد ، عند الكلام في كيفية معرفة مراد اللّه تعالى بخطابه . واعلم . . أن الّذي يكون الكلام دلالة عليه لا بدّ فيه مما ذكرناه ، وإنما يكون دلالة على ما لا يعرف إلا به ؛ دون ما يعرف بغيره ، أو تتقدّم معرفته من جهة العقل ، ليصح أن يعرف كون الكلام دلالة ؛ ولذلك قلنا : إن كلامه تعالى لا يدل على العقليات ، من التوحيد والعدل ؛ لأن العلم بصحة كونه دلالة ، مفتقر إلى ما تقدّم بذلك ؛ فلو دل عليه لوجب كونه دالا على أصله ، ومن حق الفرع أن لا يدل على الأصل ؛ لأن ذلك يتناقض ؛ وكذلك فلا يجوز أن يكون دالا على ما يحتاج أن يعرف معناه من جهة العقل ، كما نقوله في المتشابه ؛ لأنه لو دل عليه لكان إنما يدل على خلاف ما دل عليه العقل ؛ ولذلك نقول : إن العقل هو الّذي يدل على ذلك الأمر ، ونعلم أنه تعالى أنزل ذلك الكلام ، لضرب من المصلحة . وبعد . . فلو دل باقتران العقل لكان لا فرق بين أن يقال ذلك فيه ، وبين أن يقال : هو الدال باقتران هذا الكلام ؛ فإذا لم يصح ذلك لكون دلالة العقل مستقلة بنفسها ؛ فكيف يقال : إنه يدل في الحقيقة على ما أريد به ، فيجب على ما قدّمناه أن لا يدل الكلام إلا على ما يعلم بظاهره من الحكم ، أو يعلم بقرينة لغوية ، فيعلم ذلك بمجموعهما ؛ وما عدا ذلك فإنما تدل القرينة فيه ، على ما لم يرد بالكلام ؛ أو على الوجوه التي تقع عليها تصاريف الكلام . وهذه الجملة نافعة